الحمل والطفل
pregnancy

0

السدير نيوز الاخبارية _القاص زمن جواد الحلو بعد ان وصلوا الى المكان الذي قرر الأب ان يأخذهم اليه للتمتع بعطلة نهاية الأسبوع، مكان جميل لم يزوروه من قبل، جلست الأسرة مع بعضها تتبادل الكلام والضحك الذي ارتفع ووصل الى درجة البكاء، لكن ابنهم الكبير تسبب بالقلق لوالديه ؛عندما قرر ان يتخذ من الشجرة الكبيرة التي تبعد عنهم مسافة قصيرة مسندا لظهره؛ لينعزل، ويتمتع بجمال الطبيعة، ينظر الى الاشجار العالية المتشابكة الاغصان كأنهم عشاق التقوا بعد فراق طويل، فالتفَّت اذرعهم حول بعضهم، وارتوت من هذا اللقاء اوراقها الكثيفة، ومال لونها الى الزرقة لكنها عمدت ان تحجب الارض عن معظم اشعة الشمس معطية ظلالا واسعة صار يلوَّحُ ناظره على الاشكال الجميلة التي صنعتها ضياءآت الشمس الذهبية المتساقطة على الحشائش القصيرة، اطمأنت روحه حين دغدغتها نسمات الهواء النقي المحمَّل برطوبة عين المياه المتدفقة من قمة الجبل، والشاقة طريقها الى البِرْكة عن طريق الصخور المنحوتة، لقد غاص في ذاكرته عما حوله كبحَّار يبحث في عالم المرجان، يبتسم تارةً وتارةً يبدأ عليه الانزعاج؛ يضع رأسه بين ساقيه كأنه يشعر بالذنب ثم يرفعه بعد هنيه؛ ليراقب الوزات السابحة في الماء، كانت ثلاث وزات بيضاء اللون كبيرة وصغيراتها تعلمهن السباحة وقوانين الحياة، وينفِذْنَ التعليمات دون ملل او اعتراض اطال مراقبتهم، يرفع شعره الاسود عن عينيه، يسترق النظر الى ابيه الذي لم يكف عن مراقبته، يبتسم له ( هذا هو الوقت المناسب لأخباره عما يدور في قلبه )، وبدأ القلق يسيطر عليه احمر وجهه الابيض وزفر زفرته المعتادة.... قال وعلى محياه ابتسامة مصطنعة :- ابي من فضلك هل من الممكن ان تجلس معي بالقرب من تلك الشجرة . رمى الاب من يده اسياخ اللحم، وترقب وجه الشاب بحذر ونظر الى زوجته وطلب منها ان تتكفل الشواء وقال بنبرة ودودة :- نعم بني لنفعل ذلك . جلسا في المكان نفسه الذي كان يجلس فيه الابن :- احسنت بني هذا مكان جميل جدا. اردا بذلك ان يخفف من قلقه :- ابي سامحني لقد اتعبتك كثيرا في سنيني الماضية. ونظر بعيدا الى الأشجار الشاهقة، وشبك يديه وكرر قوله ، نظر الاب اليه وامسك بيده وقال بود :- ما اسعدني اليوم ما اسعدني! هذه الحياة كل يوم في شأن. وبدءا يضحكان بشراهة ويتعانقان :- نعم يا ولدي عد الى طبيعتك الجميلة فأنك جميل في كل شيء إلا عنادك المفرط. ضحك الابن واحمر وجهه ثم اردف بهدوء :- انه ليس طبعي، انها طريقة تعلمتها منذ كان عمري ثمان سنوات، اسمعني ابي انا قررت ان اعترف لك بكل شيء لتغفر لي ذنوبي فقد اصبح عمري الان تسعة عشر سنة ارجوك اسمعني. :- نعم اني مصغي اليك اكمل. قال ذلك وصار يترقب تقاسيم وجهه :- انا لم اختر التعاليم التي نشأت عليها ولكنكم ارغمتموني عليها، وانها ليس شخصيتي الان، قبل مدة من الزمن عرفت نفسي جيدا، عرفت اني املك عقلاً يميز الجميل من العمل القبيح، وكنت في صغري اعرف ذلك؛ لكن اضطررت ان اتصرف بغير ذلك . بدأ الوالد يصاب بالحيرة لكنه قال بحنان :- نعم يا ولدي اني اسمع جيدا اكمل ارجوك. وبدا الاب يضطرب، ويتفحص ابنه كخبير، ويسأل نفسه هل هي المعركة؟ ام انه صلحٌ صادق؟ ويشده الكلام ليعرف ما السر الخفي في تصرفات الصبا، واضاف الشاب قائلا وهو ينظر الى الطيور الجميلة :- سوف اقول لك كيف تعلمت ان استخدم هذه الصفات السيئة؟ ولماذا؟ ومن اين اكتسبتها؟ مثلا كنت أوصف بالمخادع والكاذب، اتذكر يا ابي عندما كنت اكره بعض انواع الطعام وانتم تجبروني على اكله اضطر ان اقول لكم ليست جاعاً، او اكلت قبل قليل، نجحت بأقناعكم بهذه الكذبة الصغيرة، لكنني تألمت كثيرا واعتبرتها جريمة وجلست طويلا اوبخ واعاهد نفسي بعدم تكرارها.... وباستمرار ضغوطاتكم اصبحت افكر بطرق الخداع، وكيف احصل على الوقت الكافي للعب او الخروج مع رفاقي؛ لأرفَّه عن نفسي، وابتعد عن اجواء البيت، كنت اهرب ياأبي على الرغم من اشتياقي اليكم ، لكنني احاول الهروب من نصائحكم المستمرة التي كانت تقيدني وتحرمني من كل ما هو جميل، او كنت اعتبره جميلاً يبدو ان امر الطعام تافهُ بالنسبة اليكم لكن بالنسبة لي في ذاك الوقت كان مهاً ووجدت فيه الحل لكل الامور. وأخفض راسه خجلا واحمر وجهه وتداركه الاب قائلا وقد انتابه خوف مفاجئ :- ارجوك اكمل لأني سعيد ان تصارحني بما في قلبك، نعم اني الان اسمع ليس مثل الماضي ولن اكون مثله. كلمات جديدة لم يسمع بها الابن من قبل، شعر ان والده يريد ان يصلح من نفسه ايضا، ويعيد حساباته وطرقة تعامله معهم، هدأ غضبه بهذه الكلمات ونظر الى اخيه الاصغر يحاول ان يمسك بالفراشات الملونة ويبتسم في وجهه واضاف قائلا بكبرياء :- وعلمت انك تحبني كثيرا فوجدت الطريقة التي تؤثر فيك واحصل على مبتغاي بسهولة، نعم اتذكر ياأبي عندما لم اتناول الطعام لمدة يومين متتاليين كنت جائعاً جدا، واتلوى من ألم الجوع حتى شعرت بقلبي بات يخفق ويخفق، كنت اعلم انني احتاج الى الغذاء لكن كنت املك من الاصرار والارادة التي زرعتهما في قلبي وقلت لي هما سلاحيَّ لمواجهة الحياة وتحقيق احلامي، وعلمت انني اذا ما نجحت فسوف افشل دائما وعلمت بأنك تعلم بأنني لا اتحمل اكثر من ذلك فجعلتك تضطر لأن تعطيني ما اريده، اعترف اني مذنب بما فعلت، ولكنني لم اكن املك العقل الصافي في ذلك الوقت، لم اكن املكه ولكنكم ايضا مذنبون! لأنكم تريدون ان انفذ كل كلامكم في ما يخص الاكل، والشرب، والملبس، واختيار الرفاق، نعم اللوم الاكبر هو عليكم لأنكم زرعتم النمل الاسود في المنزل!! :- وماذا تعني بالنمل الاسود؟ أي نمل هذا؟. قالها الاب وهو يقطب ما بين حاجبيه، اجابه الولد قائلاً :- انها المسببات الثلاثة في تعاسة البيت، وهلاك الشباب، انها مسببات الانحراف والضياع لقد تألمت منها كثيرا، وهذا بالأخص بسببك يا أبي سوف اشرح لك انتبه سوف اشرح لك ما جعلني ابتعد عنك. حين رأى انصات والده اليه غمرت قلبه الشجاعة واضاف :- النقد، والمقارنة، واللوم هما النمل الاسود، نعم جعلنَّ حياتي سوداء فكنت دائما تنقدني كأنني في ذلك الوقت رجلا راشدا وممنوع من الخطأ، لكنني كنت الاحظ الكثير من الكبار يقعون في الخطأ، فكنت تمنعني من ارتداء ملابس تناسب عمري او اسرح شعري بتسريحات الوسط الذي اعيش فيه، وكنت استمع لكلامك لكنني لم اقتنع به ابدا وصرت كالغريب بين اصدقائي نزلت عليهم من غير كوكب بتقاليد ابي الذي احتفظ بها من زمنه البعيد كل البعد عن عصري اشعر انهم يرفضونني بينهم او يشفقون علي، نعم يشفقون علي لأنني كنت اسير هذه التقاليد؛ لذلك واصلت الكذب، فبوجودك اكون كما تريد وان غبت اكون كما اريد، وكنت ابغض المقارنة بشكل لا يوصف، كنت اتمنى ان اموت حين تفضل عليَّ بعض الاشخاص او تقارنني بهم، وكنت اصاب بالغثيان واشعر ان روحي ستفارق جسدي في أيَّ لحظة، وحاولت ان انتحر يا أبي وحاولت لكن الله منعني من ذلك، لم تعلموا ان حياتي تختلف عن الاخرين؟ ثم اردف قائلا بعد صمت وترقب :- لي شخصيتي التي كنت احاول ان اتميز بها واظهر اسلوبي لكم، فكنت تجلدني بسياط المقارنة، بل كنت تمزق شخصيتي، وتعدم الثقة بنفسي. وقال كلماته الاخيرة بألم وتابع حديثه :- اصبحت قليل التفكير، لا اجد حلا بنفسي، بل استعين بأصدقائي، وربما انهم كانوا حمقى، او ليس لهم خبرة في الحياة كما كنت تقول، لكنهم يجيبونني بما يشبع رغبتي، كنتم تظنون انكم تقتربون مني لكنكم تبتعدون. وضع راسه بين ركبتيه وزفر الاب زفرة عالية وقال :- ارجوك يا ولدي لقد فعلت ما كنت اظن انه لصالحك لخوفي الشديد عليك، ارجوك ان ترفع راسك وتبوح لي بكل شيء، بكل صغيرة وكبيرة. وغمرت عينيه الدموع، لكنه سرعان ما أستعاد صلابته، وطلب منه ان يكمل. رفع الشاب راسه وقال ضاحكاً :- ارجوك يا امي انتبهي لأخي ان لا يسقط بالماء. كانت امه تراقبهما منذ لحظة جلوسهما، وقلبها يخفق ويتغير لون وجهها تبعا لتغير حديثهما الذي بات واضحا بتعابيرهما المتقلبة تضحك عندما تراهم يضحكون، وتضطرب حين ترى كسوف وجهيهما، اجابته بصوت مرتفع ( لا عليك يا ولدي سأهتم بأمره) وبعثت له ابتسامة، وقبلة لتهدئ من وتيرة النقاش الذي يتصاعد ويخفت، ونظر الى ابيه وقال :- اني اشتاق اليكم يا أبي كثيرا، لكنني فضلت العزلة فيما مضى؛ لأكون حرا في افكاري بعيدا عن ارشاداتكم التي اصبحت كلامكم المعتاد، كنت ملياً بالحيوية والنشاط، واقول لكم اني متعب، واحتاج الى الراحة، وكانت هذه الطريقة مجدية جدا حتى اتذكر جيدا توبيخك (( انك شاب فما هذا التعب الذي انت فيه ؟)) لكنني وجدت فيه المهرب الوحيد واكتسبت العناد تجاه كل شيء. وبدا يضحك وقال :- لنا عقول لا تدركها يا ابي. ضحك الاب واردف بحزن :- عقول الشباب ترى في تعاسة والديها الانتصار. وعانق ابنه عناقا طويلا واضاف لقد اصبحت رجلا جميلاً يا ولدي. صرخ الشاب لقد سقط اخي في الماء، وادارت الام وجهها الى البِرْكة ورمت بنفسها الى الماء ونسيت انها لا تعرف السباحة؛ ولكن شعرت بطفلها يطلبها، ورمى الشاب بنفسه لينقذ اخاه الصغير ورمى الاب بنفسه لينقذ الام، وخرجوا جميعا من الماء والطفل المسكين يرعش جسمه من الخوف ويسعل لأنه شرب الكثير من الماء واحتضن بعضهم بعضا وصاروا يضحكون.

إرسال تعليق

 
Top